الطبراني

17

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

قوله تعالى : أَ إِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ ؛ استفهام بمعنى الإنكار ؛ أي إن كنتم تشهدون بإثبات شريك للّه ؛ فأنا لا أشهد بما تشهدون به . وإنّما قال : ( أُخْرى ) ولم يقل أخر « 1 » ؛ لأن الجمع تذكّر بلفظ وحدان التأنيث « 2 » ، كما قال تعالى : قالَتِ الْأَعْرابُ « 3 » ومثله كثير . قوله تعالى : قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ ؛ لا شريك له ولا ولد ، وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ( 19 ) ؛ به من الأصنام والأوثان . قوله عزّ وجلّ : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ ؛ أي الذين أعطيناهم التوراة والإنجيل يعرفون محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم بما يجدونه مكتوبا عندهم من صفته ونعته ، كما يعرفون أبناءهم إذا رأوهم بين الغلمان . كما روي في الخبر : ( أنّ عمر رضى اللّه عنه قال لعبد اللّه بن سلام : يا أبا حمزة ؛ أتعرف محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم كما تعرف ابنك ؟ قال : يا عمر ؛ إنّ معرفتي به أشدّ من معرفتي بابني ؛ لأنّ أمين السّماء - يعني جبريل قد جاء بنعته إلى أمين الأرض وهو موسى عليه السّلام . فقال عمر : وكيف ذلك ؟ قال : أشهد أنّه رسول اللّه حقّ من اللّه تعالى ، وقد نعته اللّه تعالى في كتابنا فعرفته ، وأمّا ابني فلا أدري ما أحدث النّساء بعدي . فقال عمر رضى اللّه عنه : وفّقك اللّه يا ابن سلام ) « 4 » . قوله تعالى : الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 20 ) ؛ ابتداء كلام معناه : والّذين غبنوا أنفسهم بذهاب الدّنيا والآخرة عنهم ، وهم المعاندون الذين يعرفون ويجحدون من رؤساء اليهود والنصارى ، فهم لا يقرّون بمحمّد صلّى اللّه عليه وسلّم والقرآن .

--> ( 1 ) في معاني القرآن : ج 1 ص 329 ؛ قال الفراء : ( وقوله : آلِهَةً أُخْرى ولم يقل : ( أخر ) ؛ لأن الآلهة جمع ، والجمع يقع عليه التأنيث ؛ كما قال اللّه تبارك وتعالى : وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وقال اللّه تبارك وتعالى : فَما بالُ الْقُرُونِ الْأُولى ولم يقل : الأول والأولين ، وكل ذلك صواب ) . ( 2 ) أما قوله : ( بلفظ وحدان التأنيث ) قال ابن عادل : ( و أُخْرى صفة ل آلِهَةً ؛ لأن ما لا يعقل يعامل جمعه معاملة الواحدة المؤنثة ، كقوله تعالى : مَآرِبُ أُخْرى [ طه / 18 ] و الْأَسْماءُ الْحُسْنى [ الأعراف / 180 ] . ينظر : اللباب في علوم الكتاب : ج 8 ص 67 : تفسير الآية ( 19 ) من سورة الأنعام . ( 3 ) الحجرات / 14 . ( 4 ) في جامع البيان : الأثر ( 10230 ) ؛ قال الطبري : ( ( عن ابن جريج قال : زعم أهل المدينة . . . وذكره من غير ذكر الأسماء ) ) .